أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

100

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقال أبو البقاء : « ويقرأ بالنون حملا على قوله : « ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ » ، ويقرأ بالياء حملا على « يُبَشِّرُكِ » وموضعه حال معطوفة على « وَجِيهاً » . قال الشيخ « 1 » : « وقال بعضهم : ونعلّمه بالنون حملا على « نُوحِيهِ » . إن عنى بالحمل العطف فلا شيء أبعد من هذا التقدير ، وإن عنى بالحمل أنه من باب الالتفات فهو صحيح » . قلت : يتعيّن أن يعني بقوله « حملا » الالتفات ليس إلا ، ولا يجوز أن يعني به العطف لقوله « وموضعه حال معطوفة على وجيها » كيف يستقيم أن يريد عطفه على « نُبَشِّرُكَ » * أو « نُوحِيهِ » مع حكمه عليه بأنه معطوف على « وَجِيهاً » ؟ هذا ما لا يستقيم أبدا . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 49 ] وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 49 ) قوله تعالى : وَرَسُولًا في « رسول » وجهان : أحدهما : أنه صفة بمعنى مرسل فهو صفة على فعول كالصبور والشكور . والثاني : أنه في الأصل مصدر ، ومن مجيء « رسول » مصدرا قوله : 1297 - لقد كذب الواشون ما بحت عندهم * بسرّ ولا أرسلتهم برسول « 2 » أي : برسالة ، وقال آخر : 1298 - أبلّغ أبا سلمى رسولا تروعه * . . . « 3 » أي : أبلّغه رسالة ، ومنه قوله تعالى : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ « 4 » على أحد التأويلين ، أي : إنّا ذو رسالة رب العالمين ، وعلى الوجهين يترتّب الكلام في إعراب « رسول » : فعلى الأول يكون في نصبه ستة أوجه : أحدها : أن يكون معطوفا على « يُعَلِّمُهُ » إذا أعربناه حالا معطوفا على « وَجِيهاً » إذ التقدير : وجيها ومعلّما ومرسلا ، قاله الزمخشري وابن عطية . قال الشيخ « 5 » : « وهو مبنيّ على إعراب « وَيُعَلِّمُهُ » ، وقد بيّنا ضعف إعراب من يقول إن « وَيُعَلِّمُهُ » معطوف على « وَجِيهاً » للفصل المفرط بين المتعاطفين » .

--> ( 1 ) البحر المحيط 2 / 463 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) صدر بيت للعباس بن مرداس وعجزه : . . . * وإن حل ذا سدر وأهلي بعسجل انظر الحماسة لأبي تمام 1 / 244 . ( 4 ) سورة الشعراء ، آية ( 16 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط 2 / 464 .